الشوكاني

485

فتح القدير

واحد ويتبع بعضهم بعضا ، من الوتر وهو الفرد . قال الأصمعي : واترت كتبي عليه : أتبعت بعضها بعضا إلا أن بين كل واحد منها وبين الآخر مهلة . وقال غيره : المتواترة المتتابعة بغير مهلة . قرأ ابن كثير وابن عمرو " تترى " بالتنوين على أنه مصدر . قال النحاس : وعلى هذا يجوز تترى بكسر التاء الأولى . لأن معنى ثم أرسلنا : واترنا ، ويجوز أن يكون في موضع الحال : أي متواترين ( كلما جاء أمة رسولها كذبوه ) هذه الجملة مستأنفة مبينة لمجئ كل رسول لأمته على أن المراد بالمجئ التبليغ ( فأتبعنا بعضهم بعضا ) أي في الهلاك بما نزل بهم من العذاب ( وجعلناهم أحاديث ) الأحاديث جمع أحدوثة ، وهى ما يتحدث به الناس كالأعاجيب أو جمع أعجوبة ، وهى ما يتعجب الناس منه . قال الأخفش : إنما يقال جعلناهم أحاديث في الشر ولا يقال في الخير ، كما يقال صار فلان حديثا : أي عبرة ، وكما قال سبحانه في آية أخرى " فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق " . قلت : وهذه الكلية غير مسلمة فقد يقال صار فلان حديثا حسنا ، ومنه قول ابن دريد في مقصورته : وإنما المرء حديث بعده * فكن حديثا حسنا لما روى ( فبعدا لقوم لا يؤمنون ) ، وصفهم هنا بعدم الإيمان ، وفيما سبق قريبا بالظلم لكون كل من الوصفين صادرا عن كل طائفة من الطائفتين ، أو لكون هؤلاء لم يقع منهم إلا مجرد عدم التصديق ، وأولئك ضموا إليه تلك الأقوال الشنيعة التي هي من أشد الظلم وأفظعه . ثم حكى سبحانه ما وقع من فرعون وقومه عند إرسال موسى وهارون إليهم فقال ( ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا ) هي التسع المتقدم ذكرها غير مرة ، ولا يصح عد فلق البحر منها هنا . لأن المراد بالآيات التي كذبوا بها واستكبروا عنها . والمراد بالسلطان المبين : الحجة الواضحة البينة . قيل هي الآيات التسع نفسها ، والعطف من باب * إلى الملك القرم وابن الهمام * وقيل أراد العصى لأنها أم الآيات ، فيكون من باب عطف جبريل على الملائكة . وقيل المراد بالآيات : التي كانت لهما ، وبالسلطان الدلائل المبين : التسع الآيات ، والمراد بالملأ في قوله ( إلى فرعون وملائه ) هم الأشراف منهم كما سبق بيانه غير مرة ( فاستكبروا ) أي طلبوا الكبر وتكلفوه فلم ينقادوا للحق ( وكانوا قوما عالين ) قاهرين للناس بالبغي والظلم ، مستعلين عليهم ، متطاولين كبرا وعنادا وتمردا ، وجملة ( فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا ) معطوفة على جملة " استكبروا " وما بينهما اعتراض ، والاستفهام للإنكار : أي كيف نصدق من كان مثلنا في البشرية ، والبشر يطلق على الواحد كقوله " بشرا سويا " كما يطلق على الجمع كما في قوله " فاما ترين من البشر أحدا " فتثنيته هنا هي باعتبار المعنى الأول ، وأفرد المثل لأنه في حكم المصدر ، ومعنى ( وقومهما لنا عابدون ) أنهم مطيعون لهم منقادون لما يأمرونهم به كانقياد العبيد . قال المبرد : العابد المطيع الخاضع . قال أبو عبيدة : العرب تسمى كل من دان لملك عابدا له ، وقيل يحتمل أنه كان يدعي الإلهية فدعى الناس إلى عبادته فأطاعوه ، واللام في " لنا " متعلقة بعابدون ، قدمت عليه لرعاية الفواصل ، والجملة حالية ( فكذبوهما ) أي فأصروا على تكذيبهما ( فكانوا من المهلكين ) بالغرق في البحر . ثم حكى سبحانه ما جرى على قوم موسى بعد إهلاك عدوهم فقال ( ولقد آتينا موسى الكتاب ) يعني التوراة ، وخص موسى بالذكر لأن التوراة أنزلت عليه في الطور ، وكان هارون خليفته في قومه ( لعلهم يهتدون ) أي لعل قوم موسى يهتدون بها إلى الحق ، ويعملون بما فيها من الشرائع ، فجعل سبحانه إيتاء موسى إياها إيتاء لقومه ، لأنها وإن كانت منزلة على موسى فهي لإرشاد قومه . وقيل إن ثم مضافا محذوفا أقيم المضاف إليه مقامه : أي آتينا قوم موسى الكتاب . وقيل إن الضمير في " لعلهم " يرجع إلى فرعون وملائه ، وهو وهم لأن موسى لم يؤت التوراة إلا بعد إهلاك فرعون وقومه كما قال سبحانه " ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون